ابن رشد
244
تهافت التهافت
وهو الذي دل على وجود الصور في الموجود وذلك أنهم لما ألفوا الجواهر فيها قوى فاعلة خاصة بموجود موجود وقوى منفعلة ، إما خاصة وإما مشتركة ، وكان الشيء ليس يمكن أن يكون منفعلا بالشيء الذي هو به فاعل وذلك أن الفعل نقيض الانفعال والأضداد لا تقبل بعضها وإنما يقبلها الحامل لها على جهة التعاقب ، مثال ذلك : إن الحرارة لا تقبل البرودة وإنما الذي يقبل البرودة الجسم الحار بأن تنسلخ عنه الحرارة ويقبل البرودة وبالعكس . فلما ألفوا حال الفعل والانفعال بهذه الحال وقفوا على أن جميع الموجودات التي بهذه الصفة مركبة من جوهرين : جوهر هو فعل ، وجوهر هو قوة ، ووجدوا أن الجوهر الذي بالفعل هو كمال الجوهر الذي بالقوة وهو له كالنهاية في الكون إذ كان غير متميز عنه بالفعل . ثم لما تصفحوا صور الموجودات تبين لهم أنه يجب أن يرتقي الأمر في هذه الجواهر إلى جوهر بالفعل عري من المادة ، فلزم أن يكون هذا الجوهر فاعلا غير منفعل أصلا وألا يلحقه كلال ولا تعب ولا فساد إذ كان هذا إنما لحق الجوهر الذي بالفعل من قبل أنه كمال الجوهر الذي بالقوة لا من قبل أنه فعل محض ، وذلك أنه لما كان الجوهر الذي بالقوة إنما يخرج إلى الفعل من قبل جوهر هو بالفعل لزم أن ينتهي الأمر في الموجودات الفاعلة المنفعلة إلى جوهر هو فعل محض ، وأن ينقطع التسلسل بهذا الجوهر . وبيان وجود هذا الجوهر من جهة ما هو محرك وفاعل بالمقدمات الذاتية الخاصة به هو موجود في المقالة الثامنة من الكتاب الذي يعرفونه « بالسماع الطبيعي » . فلما أثبتوا هذا الجوهر بطرق خاصة وعامة على ما هو معلوم في كتبهم نظروا في طبيعة الصور المحركة الهيولانية فوجدوا بعضها أقرب إلى الفعل وأبعد مما بالقوة لكونها متبرية عن الانفعال أكثر من غيرها الذي هو علامة المادة الخاصة بها ، وألفوا النفس من هذه الصور أشدها تبريا عن المادة وبخاصة العقل ، حتى شكوا فيه هل هو من الصور المادية أوليس من الصور المادية ؟ . ولما التفتوا للصور المدركة من صور النفس ووجدوها متبرية عن الهيولى علموا أن علة الإدراك هو التبري من الهيولى ، ولما وجدوا العقل غير منفعل علموا أن العلة في كون الصورة جمادا أو مدركة ليس شيئا أكثر من أنها إذا كانت كمال ما بالقوة كانت جمادا أو غير مدركة ، وإذا كانت كمالا محضا لا تشوبها